سورية المقاومة.. كيف نبنيها؟ - أحمد حسن الرز

سياسة | | 2013-05-14


مجدداً دخل العدو الصهيوني الغاشم على خط الأزمة السورية، فنفذ عدوانه الآثم الجديد واستهدف مخازن للأسلحة تابعة للجيش السوري. وأعاد قصف مركز البحوث العلمية السورية في منطقة جمرايا بريف دمشق. لا شيء يثير الدهشة، فمن الطبيعي أن يقوم الكيان، المحتقن من زيادة اتضاح الميل العام للتوجه نحو الحل السياسي في سورية، بأية محاولة من شأنها خلط الأوراق وإطالة أمد الصراع العسكري في سورية. إن هذا العدوان الذي جاء ليملي على السوريين خيار المقاومة الشعبية المفتوحة سبيلا للتحرير يفتح الباب أمام تساؤلات عدّة، قد يكون أهمها هو التساؤل حول آليات بناء سورية الدولة المقاومة، والمقومات التي تحتاجها لذلك..

بين ما أعلن وما هو مطلوب:
بعد الغارات الصهيونية، جاء الرد الرسمي السوري عبر اتخاذ ثلاثة إجراءات رئيسية، أولها وهو استخدام تكنيك «الرد الصاروخي دون الرجوع للقيادة العسكرية» في حال كرر الكيان الغاشم اعتداءه على سورية. وثانيها تزويد المقاومة الإسلامية اللبنانية «حزب الله» بأسلحة نوعية متطورة لم يسبق لسورية أن زودتها بها من قبل. وثالثها السماح لفصائل المقاومة الفلسطينية باستخدام جبهة الجولان السوري المحتل للقيام بعملياتها الفدائية ضد الكيان. وفي الواقع، إن الخطوات الثلاث آنفة الذكر ضرورية لردع الكيان الصهيوني وثنيه عن تكرار ما فعل، لكنها ليست كافية إطلاقاً لتحويل الدولة السورية إلى دولة مقاومة، بما تقتضيه هذه الأخيرة من بنية قادرة على أداء دورها الوظيفي المتجسد بالمقاومة.
إن العمل الحقيقي من أجل إنجاز مهمة تحويل سورية لدولة مقاومة، لا بد له أن ينطلق من الحقيقة التي رفعتها بعض القوى الوطنية في سورية، والمتمثلة بمقولة «إن الدولة المقاومة لا يمكن لها أن تبنى إلا على اقتصاد مقاوم»، فالتجربة العملية أثبتت بما لا يقبل الشك أن الدولة لا يمكن لها أن تلعب دوراً مقاوماً خالصاً إذا كان اقتصادها تابعاً بطريقة أو بأخرى لمن تعاديه. وإذا ما أرادت الدولة السورية لنفسها السير على الطريق المقاوم، فإن هذا الطريق ينتظر من هو جاهز للتخلي عن أعبائه التي أثقل نفسه بها، والتي ساهمت على طول الزمن بتقويض دوره الفاعل في الصراع ضد الكيان الغاصب.
إن التخلص من الأعباء التي قوضت دور الدولة السورية في معادلة الصراع يبدأ بالقطع التام مع السياسات الليبرالية التي اتسمت بها سياسة النظام السوري في السنوات العشر الأخيرة. وتأميم أصول الشركات الأجنبية التي لعبت دوراً أساسياً في حصار أبناء الشعب السوري. والبحث عن سبل من شأنها التسريع من التوجه الاستراتيجي نحو الشرق ودول محور البريكس. وتكاد تكون الخطوة الأولى من حيث الأهمية هي ضرب قوى الفساد والنهب الكبير داخل جهاز الدولة وخارجه، فمن المعيب التعامل مع من كان الوكيل الحصري لمصالح أعداء الشعب السوري عبر سرقة لقمة عيشه وتأجيج نار الصراع ما بين فقرائه، بمنطق التساهل وغض الطرف عنه، وتأمين الغطاء السياسي والإعلامي لممارساته إذا لزم الأمر.
من هنا يمكننا القول بأن إدراك مدى الجدية والصدق في التوجه نحو خيار المقاومة يمكن أن يتم عبر قياس الجهد المبذول في سبيل إيجاد الآليات والسبل اللازمة لتنفيذ الإجراءات التي أسلفنا ذكرها أعلاه.

الجبهة الشعبية فصيل مقاوم
إن الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير، التي أعلن عن تأسسيها من قلب العاصمة السورية بالقرب من تمثال صلاح الدين الأيوبي في 9/7/2011، والتي تضم إلى جانب حزبي الإرادة الشعبية والسوري القومي الاجتماعي (الانتفاضة) عدداً من الناشطين والباحثين السياسيين والنقابيين السوريين ولجان المبادرة الوطنية، كانت ولم تزل القوة السياسية الوحيدة في سورية التي عبرت عن رؤيتها السياسية المتمثلة باستحالة الفصل ما بين القضية الوطنية والقضية الاقتصادية الاجتماعية، والقوة السياسية الوحيدة التي صاغت مبدأ «الدولة المقاومة تتطلب اقتصاداً مقاوماً»، ودخلت إثر ذلك في معركة تحرير جهاز الدولة السورية من سطوة قوى الفساد الكبير الوكيل الحصري والحارس الوفي لمصالح أعداء سورية.
إنها الجبهة ذاتها التي تعلن اليوم اتخاذ القرار بتشكيل «ألوية الجبهة الشعبية للتحرير» من أجل العمل على تحرير كل الأراضي المغتصبة، وعلى رأسها الجولان السوري المحتل. إن الجبهة التي أعلنت تشكيل القيادة العسكرية لهذه الألوية هي ذاتها أيضاً من نادت في الأمس القريب «إذا كان للأنظمة ضروراتها، فإن للشعوب خياراتها»..
إن الجبهة إذ تفتح الباب للتطوع أمام كل المواطنين السوريين، فهي بذلك تنطلق من مبدأ الفرز الحقيقي الذي يجب أن يجري في المجتمع السوري، لينقسم الجميع بلا استثناء إلى معسكرين اثنين، وطني وغير وطني، ليصبح الصراع مكشوفاً وعادلاً وحقيقياً، ينهي تبعية الوطني لغير الوطني المشرعن ذاته والمجمّل نفسه بألف وجه ووجه..
لقد بات تحرير «مجدل شمس» و«مسعدة» و«قرحتا» و«بقعاثا» و«القلع» و«واسط» ووكل شبر من جولاننا وجميع أراضينا المغتصبة ليس مجرد حلم يهذي به السوريون، بل إنه طريق فتحت أبوابه ولن تغلق قبل إنجاز مهمة التحرير الوطنية، والسوريون وحدهم من يملكون القدرة على تسريع استعادة الأرض المغتصبة إذا ما اتحدوا اليوم ضد العدو وأذنابه الفاسدين الكبار في الداخل. إن الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير قد دخلت طريق المقاومة المباشرة، مؤكدة صواب أهدافها، تغيير النظام تغييراً جذرياً وشاملاُ، وتحرير الأراضي المغتصبة. لا فرق بين المعركتين ولا انفصام بينهما إذا ما كان الهدف الأول حماية سورية من كلّ عابث بها وبشعبها.